الحرب المنسية: حصار الممر الرمادي
هذه الرواية من أرشيف الحلبة، وتحكي الأعوام التي سبقت التاج والسيف، حين كان اسمه «أوردون» وكان لا يزال يملك اسمه.
١. المملكة على الحافة
كانت مملكة «كيرن» صغيرة مختبئة في وادٍ ضيق بين سلسلتين جبليتين، ولا يُدخل إليها إلا من ممر واحد يسمونه «الممر الرمادي»، طوله نحو ثلاثة أميال وعرضه لا يتسع لأكثر من عشرة رجال متجاورين. وفي هذا الممر قضى أوردون سنواته: قائدًا للحرس الحدودي ومعه ثلاثمئة وأربعون مقاتلًا.
كان يحمل فأسًا مزدوجة ورثها عن أبيه، وعلى صدره نشّابًا صغيرًا للإصابات القريبة. وكان في ذراعه اليمنى ضمّاد أبيض لا يخلعه منذ جرح السنة الأولى، وآخر على ساقه اليسرى، فعرفه جنوده من ضماداته قبل وجهه.
٢. جيوش الغبار
جاء العدو من الجنوب في صباح لا ريح فيه. ستة آلاف مقاتل تقودهم امرأة تُدعى «سالفا»، وسمّاهم الناس «جيوش الغبار» لأن مسيرتهم كانت ترفع سحابة رمادية تُرى من مسيرة يومين. لم يطلبوا ذهبًا ولا أسرى، بل طلبوا الممر وحده، لأن من يملكه يملك الطريق إلى ما وراء الجبال.
٣. السنة الأولى: الحجارة والزيت
ردّ أوردون الهجمات الأولى بما في يده: حجارة تُدحرج من الحافتين، وزيت يُغلى في قدور فوق الصخور، وسدّ من الجذوع في عنق الممر. سقط في تلك السنة ثلاثة عشر هجومًا، وخسر الحرس أربعين رجلًا، وخسرت جيوش الغبار أكثر من ألف.
٤. السنة الثانية: الجوع
أدركت سالفا أن الممر لا يُؤخذ بالسيف، فقطعت الطريق إلى القرى الخلفية وأحرقت مخازن الحبوب. ومع الشتاء بدأ الحرس يأكل الخيل. وحين انتهى الربيع كان عددهم قد نزل إلى مئة واثني عشر، وبينهم جرحى لا يقوون على حمل السلاح.
٥. ليلة الغدر
في الليلة السابعة من ثلج السنة الثالثة، فتح نائبه «سيرن» البوابة الشرقية للممر مقابل وعد بحياة أسرته. ركض أوردون إليها وحده، فأغلق الفتحة بجسده ساعتين كاملتين، حتى انكسر نصل فأسه الأولى، وفقد عينه اليسرى بسهم، وتشقق جلد ذراعيه من البرد والجراح.
لم يطعن سيرنَ حين أمسك به، بل قال له: «أنت لم تخنّي، بل خنت الذين ماتوا هنا». ثم أوقفه حارسًا على الباب، وبقي حتى الفجر.
٦. العرض
عند الفجر لم يبقَ منهم سوى واحد وسبعين مقاتلًا، وظهر على الصخرة رجل ملثّم بلا ظل. لم يقل اسمه. عرض عليه تاجًا صغيرًا أحمر وسيفًا ذهبيًا عريضًا في مقبضه جوهرة خضراء، وقال: «حلبة لا تُغلق أبوابها، ونصر لا ينتهي، وثمن واحد».
سأل أوردون عن الثمن، فقال الملثّم: «اسمك، قطعةً قطعة، مع كل قتال». ثم أضاف ما جعله يقبل: الجوهرة ستحفظ أرواح رجاله الباقين حتى لا يموتوا. وافق أوردون لأنه لم يرد أن يبقى أحد منهم تحت الثلج.
٧. النقش والعهد
حين لمس السيف ظهرت على النصل سطران من الرونات: الأول عهد دم يربطه بالحلبة، والثاني ثمنه: من يرفع النصل يفقد اسمه. وحين وضع التاج على رأسه استقرت العين الخضراء في وجهه بدل العين المفقودة، ومنها بدأت الجوهرة تنادي أرواح المصارعين.
٨. آخر معارك الممر
حين اقتحمت جيوش الغبار الممر ظنًا منها أنه سقط، وجدت أمامها رجالًا بلا ظلال يقاتلون بلا تعب. استمر القتال حتى الظهيرة، وانتهى بصمت لم تعرفه الجبال: لا ناجٍ من جيش سالفا، ولا قبر للحرس. وأصبح الممر الرمادي أول حلبة له، ورجاله أول أشباحها.
٩. بعد النصر
سقطت مملكة كيرن بعد ذلك بسنوات، فلم يبقَ من يذكرها أو يذكر حربها. وفي كل قتال جديد في الحلبة فقد أوردون حرفًا من اسمه، حتى لم يبقَ له سوى لقبه: ملك القتال.
وحين انكسر السيف في يد فتى لا يعرف شيئًا عن هذه الحرب، أول ما عاد إلى أوردون لم يكن النصر، بل صدى اسمه وهو ينادي ممرًّا خاليًا.
تعليقات الزوار